الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
89
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكانت الدروع التّبعية مشهورة عند العرب فلعل تبّعا اقتبسها من بني إسرائيل بعد داود أو لعل الدروع التبعية كانت من ذات الحراشف ، وقد جمعها النابغة بقوله : وكلّ صموت نثلة تبّعية * ونسج سليم كلّ قمصاء ذائل أراد بسليم ترخيم سليمان ، يعني سليمان بن داود ، فنسب عمل أبيه إليه لأنه كان مدخرا لها . واللبوس - بفتح اللام - أصله اسم لكل ما يلبس فهو فعول بمعنى مفعول مثل رسول . وغلب إطلاقه على ما يلبس من لامة الحرب من الحديد ، وهو الدرع فلا يطلق على الدرع لباس ويطلق عليها لبوس كما يطلق لبوس على الثياب . وقال ابن عطية : اللبوس في اللغة السلاح فمنه الرمح ومنه قول الشاعر وهو أبو كبير الهذلي . ومعي لبوس للبئيس كأنه * روق بجبهة ذي نعاج مجفل « 1 » وقرأ الجمهور ليحصنكم بالمثناة التحتية على ظاهر إضمار لفظ لَبُوسٍ . وإسناد الإحصان إلى اللبوس إسناد مجازي . وقرأ ابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر - بالمثناة الفوقية - على تأويل معنى لَبُوسٍ بالدرع ، وهي مؤنثة ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ، ورويس عن يعقوب لنحصنكم بالنون . وضمائر الخطاب في لَكُمْ ، ليحصنكم ، مِنْ بَأْسِكُمْ ، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ موجهة إلى المشركين تبعا لقوله تعالى قبل ذلك : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [ الأنبياء : 50 ] لأنهم أهملوا شكر نعم اللّه تعالى التي منها هذه النعمة إذ عبدوا غيره . والإحصان : الوقاية والحماية . والبأس : الحرب . ولذلك كان الاستفهام في قوله تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ مستعملا في استبطاء عدم الشكر ومكنّى به عن الأمر بالشكر . وكان العدول عن إيلاء ( هل ) الاستفهامية بجملة فعلية إلى الجملة الاسمية مع أن ل ( هل ) مزيد اختصاص بالفعل ، فلم يقل : فهل تشكرون ، وعدل إلى فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ليدلّ العدول عن الفعلية إلى الاسمية على ما تقتضيه الاسمية من معنى الثبات والاستمرار ، أي فهل تقرر شكركم وثبت لأن تقرر الشكر هو الشأن في مقابلة هذه النعمة نظير قوله
--> ( 1 ) البئيس : الشجاع ، وذو النعاج : الثور الوحشي معه نعاجه أي إناثه فهو مجفل من الصائد .